
المغرب والسنغال: عندما تتصدّع القيادة تحت الضغط
ليست كل المباريات تُحسم بالأهداف
بعضها يُحسم عندما تنكشف القيادة
نهائي كأس الأمم الإفريقية بين المغرب والسنغال لم يكن مجرد مواجهة كروية عالية المستوى، بل كان لحظة اختبار علني للقيادة في بيئة مشحونة، حيث يتداخل الانفعال الجماهيري مع القرار، وتصبح كل ثانية محمّلة بما هو أبعد من الرياضة
مع دخول الدقائق الأخيرة، كانت المباراة قد استنفدت أعصاب الجميع. المدرجات في حالة غليان. الإيقاع مرهق. والاحتكاكات تجاوزت الحسابات التكتيكية. ثم، في عمق الوقت بدل الضائع، جاء قرار احتساب ركلة جزاء للمغرب بعد مراجعة تقنية الفيديو
ذلك القرار لم يكن ما غيّر مسار المباراة
الذي غيّرها هو ما حدث بعده
ردّة الفعل على دكة بدلاء السنغال كانت فورية. احتجاجات، توتر، ثم قرار غير مسبوق: المدرب يأمر لاعبيه بمغادرة أرض الملعب. عند تلك اللحظة، لم تتوقف المباراة فقط، بل دخلت في منطقة رمادية خطيرة
لعدة دقائق، غابت كرة القدم وبقي الغضب. تصاعد التوتر في المدرجات، ووجدت الأجهزة الأمنية نفسها أمام وضع قابل للانفجار. الخلاف لم يعد تحكيميًا، بل تحوّل إلى مسألة ضبط وانضباط وسلامة عامة
في نهاية المطاف، عاد اللاعبون إلى أرض الملعب. التقارير أكدت لاحقًا أن قيادات داخل الفريق تدخلت لإقناع اللاعبين بالعودة.
هنا تتضح الصورة بشكل أدق: القيادة لم تكن غائبة، بل كانت منقسمة. اتجاه يدفع نحو التصعيد، وآخر يحاول احتواء اللحظة
اصطدام الإشارتين أمام الملأ كان بحد ذاته رسالة
نُفذت ركلة الجزاء، أُهدرت، ثم امتدت المباراة إلى وقت إضافي انتهى بتتويج السنغال. لكن النتيجة النهائية لم تُنهِ الأسئلة الأهم
المسألة لم تكن صحة قرار الحكم. المؤسسات الكبرى نادرًا ما تحاكم التفاصيل الفنية في لحظات كهذه. ما يهمها هو السلوك، والسوابق، والخطر المحتمل على النظام ككل. مشهد الانسحاب الجماعي، ثم الارتباك القيادي، هو ما لفت الانتباه الحقيقي
ولهذا جاءت العقوبات قاسية وسريعة بحق المنتخب السنغالي، صادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحاد الإفريقي لكرة القدم
إيقافات طالت الجهاز الفني واللاعبين، حرمان من حضور الجماهير في مباريات قادمة، غرامات مالية، وتحقيقات أُبقيت مفتوحة لاحتمال اتخاذ إجراءات إضافية
من منظور مؤسسي، هذا ليس انتقامًا ولا تصفية حساب. هو رد دفاعي. عندما تهتز السيطرة، تتصرف الأنظمة لحماية نفسها، لا لإرضاء الشعور العام. الغضب مفهوم، لكن فقدان الانضباط خط أحمر
هذه القاعدة لا تخص كرة القدم وحدها
في الشركات، القيادة المنقسمة في لحظة أزمة تُترجم فورًا إلى فقدان ثقة السوق
في السياسة، الرسائل المتناقضة في أوقات التوتر تُنتج فراغًا تملؤه الفوضى. في أي نظام معقّد، الانقسام العلني في القيادة يُعامل كفشل، حتى لو كانت النواي حسنة
الحقيقة التي يصعب تقبّلها هي أن الاحتجاج غير المنضبط لا يُعد شجاعة. بل هو نقل للمخاطر من القادة إلى الجميع. من اللاعبين إلى الجماهير، ومن الملعب إلى المجتمع
القيادة الأخلاقية لا تُقاس عندما تبدو القرارات عادلة. تُقاس عندما تبدو جائرة، ومع ذلك يختار القادة امتصاص الضغط بدل تفجيره. حين يدركون أن ضبط النفس ليس ضعفًا، بل وعيًا بثمن الانفلات
في تلك الليلة، لعب المغرب والسنغال نهائيًا قاريًا
أما العالم، فقد شاهد مشهدًا أوضح بكثير: كيف يمكن للحظة واحدة أن تكشف قوة القيادة… أو هشاشتها
وعندما يبلغ الضغط ذروته، لا يكون السؤال من كان على حق، بل من كان قادرًا على الحفاظ على النظام دون أن يكسّره


